أبو علي سينا
13
الشفاء ( المنطق )
والتكرار فيه ، وجانب المماحكات اللفظية جملة . ومع كل هذا لم يخل أسلوبه من شئ من العجمه أحيانا ونبو عن الذوق العربي السليم ، كما لم يخل من إبهام وغموض . وليس هذا قاصرا على أسلوبه في هذا الكتاب ، بل هو الغالب عليه في جميع مؤلفاته عدا كتاب الإشارات والتنبيهات ، بل عدا الأنماط الأربعة الأخيرة من هذا الكتاب ، حيث يرتفع أسلوب ابن سينا إلى مرتبة من البيان لا عهد لنا بها في كتبه الأخرى . كما أننا يجب ألا ننسى أن ابن سينا كان غريبا على اللغة العربية ، وأنه ككل غريب على لغة إن ملك زمامها لم يملك ذوقها ؛ كما أننا يجب ألا ننسى أنه يمثل في تاريخ نقل التراث اليوناني إلى العالم الإسلامي ، المرحلة الوسطى بين مرحلتين : أولاهما مرحلة الترجمة حيث كانت لغة الفلسفة لا تزال فجة قلقة ، والأسلوب الفلسفي معقدا غامضا ، روعى فيه أمانة النقل من الأصول المترجمة أكثر مما روعى فيه الصقل والبساطة والوضوح . والمرحلة الأخرى مرحلة التحرر التام من قيود الترجمة ومقتضياتها ، وهي مرحلة التأليف الحر التي أعقبت عصر ابن سينا كما نراها واضحة في تآليف الغزالي مثلا . أما ابن سينا فيقف وسطا بين هذين الطرفين : فهو متحرر نوعا ما من التحرر ، ولكنه مقيد أيضا نوعا ما ، لشدة حرصه على متابعة الأصول اليونانية التي يستمد منها مادته . وهذه ظاهرة نلمسها في كتاب البرهان بوجه خاص . وفي أسلوب البرهان صفات أخرى من أجلها يستعصى فهمه على القارئ أحيانا : من أبرزها طول الفقرات وتداخل أجزائها وكثرة الجمل المعترضة فيها . ومنها استعمال الفاءات بغير حساب . وكم من مرة وقفت طويلا عند كلمة تسبقها « فاء » فلم أتبين في وضوح أنها ابتداء جملة جديدة أو تتمة لجملة سابقة ، أو استئناف لقول أو عطف أو تفسير ! ولذا كان وضع نقط الوقف والفواصل بين الجمل من أصعب الأمور التي واجهتها في إعداد النص ، مع أن على هذه النقط والفواصل يتوقف فهم الكتاب فهما صحيحا . وعلى الرغم من كل هذا فأسلوب ابن سينا في البرهان أسلوب علمي دقيق ، وإلى حد كبير جلى واضح . وقد كان من غير شك أسلوبا موفيا بغرض المؤلف وأغراض العصر الذي عاش فيه ، وإن لم يعد اليوم موفيا بأغراضنا بعد أن فرقت القرون العشرة الماضية بيننا وبينه ، وباعدت بين أسلوبنا وأسلوبه . ولن نستطيع أن نرجع بعجلة الزمان هذه القرون العشرة فنجعل من كل دارس للمنطق الأرسطي تلميذا كابن سينا أو أبى بشر متى بن يونس .